أخرالأخبار
سورية الحدث

لا أظن أن هناك مسألة يمكن أن تثير بين الآباء والأمهات والمربين اختلافات حادة مثل مسألة العقاب.
فإذا كان فريق منهم يعتبر استخدام العقوبات أثراً من مخلفات الماضي لا يناسب أخلاقنا.
ففريق ثان يرى من المستحيل تربية الطفل بدون عقوبات....................
الفريق الأول يقول: العقاب ينشئ شخصية مسلوبةالارادة،ويرد الثاني( بأن عدم العقاب ينشئ شقاه)
الفريق الأول يورد عشرات الأمثلة على أن العقاب لم يثر إلا ضغينة الأولاد وفزعهم والحاق الخلل بجهازهم العصبي وضعف نسبة النجاح.
ويذكر الفريق الثاني حالات لم تنفع فيها أية أحاديث ولا توضيحات والعقاب وحده جعل الطفل يتخلص من العادات السيئة والتصرفات السيئة القصد.
وبعيداً عن التزام أحد الجانبين حري بنا أن نوضح معنى العقاب .
ان العقاب الجسدي، أي الضرب، هو الاعتراف بالعجز التام إزاء الطفل والعجز التربوي للذين يستخدمون الضرب والقسوة لأن ذلك يؤدي إلى تعود الطفل على الجبن وابعاده عن الحماسة والشجاعة، كما تشعره بالظلم الدائم وتجعله يعاني من شعور الإهانة والإذلال ويؤدي لظهور أمراض العصاب الطفولية كما يختفي شعور الخجل وتأنيب الضمير ويثير أشكالاً عدوانية من الدفاع عن النفس وتقوي الرغبة في التصرف الخاطئ
كماأن الخوف من الألم يجعل الطفل يخضع لمشيئة الوالدين ولكنه داخلياً يظهر مقاومة ثابتة.
والعقوبات المتكررة تثلم شعور الطفل ولا تثير فيه السعي إلى تعديل سلوكه.
فالعقاب الجسدي يسحق الشخصية ويجلب عذاباً معنوياً كبيرا إضافة الى مشاعر التكدر والألم والإهانة والحنق.
ولا يقيم الطفل فعلته التي عوقب من أجلها التقييم الصحيح ويؤدي أيضاً إلى فقدان الرغبة في العودة إلى البيت والبقاء في العائلة، فيقضي أوقات فراغه في مكان ما خارج البيت، أما الضرر النفسي فيكون في الصفات الخلقية السلبية لدى الطفل والتي يمكن أن تبقى مدى الحياة. فينشأ نتيجة لذلك الأطفال ذوو الجهاز العصبي القوي وقحين ، قساة غلاظا مراوغين، وكاذبين أحيانا.
في حين ينشأ الأطفال ذوو الجهاز العصبي الضعيف جهيمين خائفين خائري الإرادة، عديمي الثقة، انطوائيين على ذاتهم ويخضعون لمطالب الكبار بخمول.
وبنتيجة العقوبات الجسدية يختفي عند هؤلاء الأشخاص الرغبة بالحياة ويظهر الفتور في العلاقة مع الوالدان ويقسو الأطفال ويبطل احترامهم للوالدين ولا يعتبرونهما قربيين منهم فلا يخشونهما، وكل ذلك يؤدي إلى فقدان تربية الطفل لاحقاً.
وكنتيجة لذلك فإننا من النادر أن نرى عائلة أتت فيها العقوبة الجسدية بفائدة.
إن ضرب صبي في الثانية عشرة أو الرابعة عشر يعني الاعتراف بالعجز التام إزاءه ومعنى ذلك ربما قطع العلاقات الطيبة معه الى الأبد، وفقدان العلاقات الطيبة يعني فقدان قوة التأثير ومعها القدرة على التربية.
وإليكم ما تقوله إحدى الأمهات: انقضت طفولتي في عائلة كبيرة وأنا أتذكر كيف كنت أشعر بالمرارة والخجل حين كانوا يضربون أخي الكبير، كانوا يضربونه وكان هو يحنق وبسبب ذلك أصبح غير محتمل كلياً وكنت حانقة على والدي كما كنت أبكي واعد نفسي حين أكبر لن أضرب أولادي.
فإذا كانت العقوبة الجسدية تؤثر في الطفل هذا التأثير المضر فمن الطبيعي أن يبرز سؤال لماذا...........................
إذاً وبعد كل هذا يرب الآباء والأمهات أطفالهم.
يجب الافتراض بأن هذه الوسيلة للتأثير هي أبسط الوسائل ولا حاجة للاستعداد لها فما عليك إلا أن تأخذ الحزام وتجلد الطفل به. أما طرائق التربية الأخرى فتحتاج إلى تأن وصبر ولباقة، ومعنى ذلك أن هؤلاء الآباء والأمهات يتصرفون بهذا الشكل بحكم عجزهم التربوي (أوليس الذين يعذبون الأطفال وأحياناً الكبار منهم يجدون صعوبة في تربيتهم بينما جلدهم سهل)
ألسنا ننتقم حين نعاقب بسبب عدم قدرتنا.
إن اليافع لا ينبغي أن يرتكب أفعالاً فزعاً من العقاب والواجب هو أن يربى في الطفل النفور من الشيء السيئ غير المهذب وغير الإنساني، ذلك لان الإنسان النزيه لا يسرق لأنه يخاف من العقاب. لا بسبب الجبن بل لأنه يزدرئ السرقة في العائلات التي تسود فيها الصداقة بين الأطفال والوالدين والتي يربى فيها الطفل بصورة صحيحة تنتفي الحاجة إلى معاقبته فان الطفل يتصرف وفق الخبرة العائلية المتكونة، ولهذا السبب يجب على الوالدين أن يعلماه منذ السن المبكرة على السلوك الصحيح ويربياه بحيث لا تكاد هناك حاجة إلى العقاب.
مما لا شك فيه انه ليس ثمة مكان للعقاب البدني في أي نظام للتأديب يقوم على العناية بالنجاح وعلى الاحترام والتفاهم المتبادلين بين المعلمين والتلاميذ أو بين الآباء وأولادهم وعلى تهذيب النفس بالتدريج، ومع ذلك فلا بد من كلمة نقولها في هذا الصدد بسبب الآراء التي يعتنقها الكثيرون ممن يمارسون مهنة التدريس.
ومن المحتمل إن استخدام العقاب البدني مع معظم الأطفال الأسوياء وصغار المراهقين عند الضروري القصوى فقط بروح إنسانية ليس له من الآثار النفسية السيئة المباشرة إلا القليل بل يبدو أنه في كثير من الأحيان يحقق الغرض منه ويكون رادعاً سريعاً مأمون العاقبة لخرق النظام، كما أن الكثيرين من الأطفال يؤثرون احتمال فترة من الألم على حرماتهم من الهواء الطلق واللعب بضع ساعات، فتأثر أي نوع من أنواع العقوبات البدنية يتوقف على طبيعة العلاقة بين الأطفال والكبار أكثر مما يتوقف على نوع العقاب المستخدم كما أن كثيراً من الضرر الدائم قد يلحق بالطفل روح العداء التي يكمن وراء السخرية أكثر مما يلحق به نتيجة لضرب معلمه أو أبيه الذي لا يرتاب في محبته له.
إن نجاح التربية يزداد بازدياد الحب الذي يلقاه الطفل من أبويه ومدرسيه إذا أعطى الحب بقدر معين، أما إذا جاوز الحد فان الثواب والعقاب لا يفقدان تأثيرهما فحسب بل يؤديان إلى نتائج عكسية فيجب ألا نغفل هذه الحقيقة.
أن فحص سجلات أي مدرسة تستخدم العقاب البدني، يبين أن هناك عددا قليلا من الأطفال هم دائماً ضحايا هذا العقاب وانهم فيما يبدو يعتادون عليه، ويشتقون نوعا معينا من الإشباع من إعجاب زملائهم، وكثيرا ما تكشف الدراسة الدقيقة لهؤلاء الأطفال نوعا من سوء التكيف في حياتهم المنزلية أو المدرسية يبرر مساعدتهم على حل مشكلاتهم أكثر مما يبرر توقيع عذاب مستمر غير مثمر عليهم، ونلاحظ أن تناقض العقاب البدني سواء العقاب المنزلي أو العقاب في المدرسة يصاحبه تناقض في العراك والشجار بين الأطفال والمراهقين.
ومما جدير بالملاحظة أن نظام التعليم في عهد هتلر دفع المدارس والكليات والجامعات إلى اتخاذ خطوات مقصودة لإعادة استخدام سائر أنواع العنف كوسيلة لتنمية روح العدوان ومن ثم فان المناداة بعدم استخدام العقاب البدني في البيت والمدرسة لا يقوم على انه يلحق الضرر بقلة من الأطفال أو المراهقين أو الكبار الذين يعانون من نقص في الاتزان بدرجة ما ، وإن كان في حد ذاته ذا خطر على الفرد والمجتمع ولكنه تقوم على أنها تشجع العدوان الغشوم وتحبذ قيام نوع من العلاقات بين البشر هي أبعد ما تكون عن الاحترام.
وان كان بعض الأطفال قد اعتادوا على ضرب آبائهم لهم فهذا ليس دليلاً على إن المدرسة ينبغي ان تتخذ من القوة المادية وسيلة للجزاء. والنظام في الأسرة يختلف من حيث الآثار النفسية عن النظام في المدرسة، فالعلاقة بين الطفل وأبويه هي عادة أكثر اصطباغا باللون الإنساني من العلاقة بين التلميذ ومعلميه، فالعلاقة بين التلميذ والمعلم تظل غالبا غير شخصية حتى يوقع المعلم بالتلميذ عقابا، وهنا لا يكون المعلم في موقف الراشد الذي يتقبل الطفل ويحبه كما تفعل الأم، ومن ثم يحتمل ان ينظر إليه الطفل على انه مجرد شخص معتد بغيض أو ظالم دخيل. يجدر بنا ان نلاحظ ان العقاب الجسدي ليس إلا حالة خاصة من العقاب بوجه عام .وينبغي من الناحية المثالية أن تكون التربية البناءة في البيت والمدرسة قادرة على التخلص تماما من العقوبات جميعاً، فيما عدا العقوبات التي يرى فيها المخالف نتائج مباشرة ولازمة للأعمال الخاطئة والتي تتجرد من كل عنصر من عناصر الانتقام أو التعسف من ناحية الكبار. ويجب أن يكون العقاب عادلاً لكي يعيه الطفل كتدبير يستحقه كما ينبغي التوقف بوجه خاص على حالات معاقبة الطفل على الدرجة الرديئة في الدروس وهنا يجب أن يكون الإنسان شديد الاحتراس بشكل خاص إذا ما حصل الطفل على درجة رديئة بسبب عدم الإعداد للدرس كما ان معنى العقاب يتمثل بالشعور بالذنب وهو الشعور الذي يعانيه الطفل من جراء التقييم السلبي لسلوكه، ولكن هذا الشعور لا يمكن ان ينشأ لدى الطفل إلا إذا كان العقاب عادلاً.
إما إذا استخدم العقاب بصورة غير عادلة فإن الإدانة الذاتية والندم لا يحدثان وبالتالي فان العقاب نفسه لا يجدي شيئاً، كما انه من غير المجدي معاقبة الطفل باستمرار.
ففي بعض الأسر يكون الوالدان صارمين بشكل زائد ويدينان كل خيبة للطفل وكل خطا وحتى الخطأ العارض ومثل هذه التربية بطريقة القمع لم تأت ولن تأت بنتائج طيبة فيبسط كل من الوالدين ذراعه شاكياً من الطفل ومن طبيعته التي يزعم أنها لن تتغير (( لا نغفر له شيئاً ونعاقبه دائماً لكن لا شيء ينفع، انه باق)) على منواله.
ومن الملاحظ إن الأطفال في مثل هذه الحالة ينتظرون العقوبة بعدم اكتراث تام وفي بعض الأحيان يعلنون بأنفسهم عن ذنوبهم. نعم إن عقوبة الضرب لا تزيد البليد إلا بلادة وجموداً.
على إن الطفل إذا وجد بجانبه من يبصره بالواجب ويستميله دائماً إلى العمل لن يعود هناك حاجة إلى هذه العقوبات.
وإذا كان الغرض من العقوبة الإصلاح ، فالضرب ليس بوسيلة للإصلاح وإن التفاهم على انفراد يؤدي إلى نتيجة أحسن من الضرب.
أما أنتم أيها الآباء والأمهات إن كنتم تعاملون أولادكم معاملة منطوية على القسوة والشدة فهذا سيزيد من شعور أولادكم بالنقص إلى درجة كبيرة قد تؤدي إلى ان يتخذوا أسلوب الانزواء في سلوكهم أو اسلوب الجموح والثورة على كل شيء في منازلهم وعلى أصدقائهم، في مدارسهم ومجتمعهم مهما كان شكله أو لونه. وان كانت معاملتكما له بالتدليل فربما يتكون أسلوب الحياة عنده على شكل أنانية فلا يفكر إلا في نفسه وفي مصالحه الخاصة وتحقيق رغباته الشخصية مهما تعارضت مع رغبات الغير ومهما أدت إلى تضررهم.
وقد يكون أسلوب الحياة الذي يتكون في مثل هذا الطفل المدلل أسلوب اعتماد وتواكل مستمر على والديه أو أحدهما.
وأخيراً: نداء إلى كل من يتعامل مع الأطفال سواء أكانوا آباء أو أمهات أو أقارب ان يرسخ في أذهانهم ان الطفل كيان ادمي زاخر بالمشاعر متفجر بالذكاء وإن أي محاولة لتجريحه من شأنه وان جاءت بصورة عفوية سوف يكون لها أثرها الفادح في اضطرابه فيما بعد.


خديجة بدور






شبكة سورية الحدث

0 1 0
371
2018-01-08 10:40 PM
العقاب ... بقلم خديجة بدور
الباحثون، الباحثون .. بقلم : بثينه شعبان

الباحثون، الباحثون .. بقلم : بثينه شعبان

لقد استهدف الكيان الصهيوني عقولاً عربية أبدعت في مجالات مختلفة من الأدب إلى الطب إلى الفيزياء إلى الفنون، والفلسفة، والفكر، وكلّ مرة بذرائع مختلفة، وبحجج حماية هذا الكيان، ولكنّ الحقيقة الأكيدة وراء كلّ هذه الاغتيالات هي إدراك هذا الكيان أن النخب الم ... التفاصيل
المزيد
مهام مديريات التنمية الادارية المحدثة في سورية الجديدة بموجب مرسوم مهام وزارة التنمية الادارية

مهام مديريات التنمية الادارية المحدثة في سورية الجديدة بموجب مرسوم مهام وزارة التنمية الادارية

 مهام مديريات التنمية الادارية المحدثة في سورية الجديدة بموجب مرسوم مهام وزارة التنمية الادارية عبد الرحمن تيشوري وضع خطط تفصيلية للتطوير الإداري وتنمية الادارة السورية في كل الوزارات والمحافظات والجهات العامة • وضع برنامج عمل وتصور مر ... التفاصيل
المزيد
التشريع الضريبي السوري في ندوة لغرفة تجارة دمشق

التشريع الضريبي السوري في ندوة لغرفة تجارة دمشق

عضو في مجلس الشعب دكتور في جامعة دمشق: ( خلل منهجي في الضريبة خلال العامين الماضيين والنظام الضريبي المطبق غير عادل)خاص_ عبادة محمد ناقشت اليوم غرفة تجارة دمشق في ندوتها الأسبوعية مع الدكتور في كلية الحقوق جامعة دمشق وعضو مجلس الشعب الدكتور محمد ... التفاصيل
المزيد
RSS RSS RSS RSS RSS
RSS