شبكة سورية الحدث

بعلم الدولة

سورية الحدث - زياد غصن

في مثل هذه الظروف الصعبة، يفترض أن تكون كل خطوة اقتصادية متخذة «محسوبة» و«تحت عين» الدولة.

بمعنى أنه يجب ألا يحدث شيء من دون علم الدولة.. أو من «وراء ظهرها».

إذ إن جزءاً أساسياً من المشكلة الاقتصادية التي تواجهها البلاد اليوم نجم عن ضعف حضور الدولة في فترة سابقة، وتراجع رقابتها على النشاط الاقتصادي برمته.. وتحديداً فيما يتعلق بدورة العملية الإنتاجية المحلية وبالاستيراد.
وثمّة فرق بين إشراف الدولة وحضورها ورقابتها.. وبين تفردها أو احتكارها أو عرقلة موظفيها لعمل اقتصادي معين.
مثلاً..
السماح للقطاع الخاص باستيراد معظم احتياجات البلاد، لا يلغي دور الدولة في متابعة مصير تلك المستوردات، بدءاً من تنظيم إجازة الاستيراد وتأمين التمويل اللازم، فدخول المستوردات إلى البلاد ومستودعات المستوردين، وصولاً إلى طرحها في الأسواق المحلية.. كذلك الأمر بالنسبة إلى أسعار تلك المستوردات.
لكن.. هل هناك جهة حكومية واحدة تملك بيانات تفصيلية عن المستوردين وحركة مستورداتهم؟
وإذا وجدت تلك البيانات.. هل تجري مطابقتها ومقاربتها مع بيانات جهات عامة وخاصة أخرى؟
وكيف يجري التأكد من أن تلك المستوردات طُرحت فعلاً في الأسواق وبأسعارها المنطقية، ولم تهرَب إلى دول الجوار، أو تخزن في المستودعات بغية التحكم بأسعارها، أو إنها ليست مستوردات وهمية؟
باعتقادي أن ذلك غير موجود..
وإلا لكانت الفترة الأخيرة شهدت كسر أقفال عشرات المستودعات المملوءة بالسلع والمواد المحتكرة أو المحجوبة عن الأسواق المحلية، ومساءلة بعض المستوردين عن مصير مستورداتهم الممولة بالسعر الرسمي.. وغير ذلك.
أو على الأقل لكانت المؤسسات الحكومية المعنية عرفت أين يكمن جوهر المشكلة في ظاهرة الغلاء الأخيرة، ومن المسؤول عنها.. وكيف يمكن الحد من استفحالها وتضخمها المستمرين.
وما ينسحب على ملف الاستيراد ينسحب على معظم الملفات الاقتصادية الأخرى.. من كميات السلع والمواد الداخلة إلى الأسواق المحلية والخارجة منها يومياً، إلى سوق القطع الأجنبي الرسمي والأسود، فالقطاع الإنتاجي المنظّم وغير المنظّم.. وغير ذلك.
نعم.. هناك مؤسسات وجهات في الدولة لديها كم هائل من المعلومات، إنما هذه المعلومات، إما غير مستثمرة باعتبارها مبعثرة بين عدة جهات، وإما لا تفي بالحاجة في الظروف الاستثنائية بسبب عدم دقتها أحياناً.
قبل عدة سنوات كنت في زيارة لإحدى الدول، وخلال حديثي مع أحد السوريين المقيمين فيها، أخبرني صديقي أن هناك معلومات شائعة تقول إن ما يقرب من خمسة ملايين كاميرا ترصد جوانب الحياة في عاصمة تلك الدولة.
بداية ذهب تفكيري إلى مبرر المخاوف الأمنية، لكن مع التعمق أكثر في نقاش المعلومة، تبين لي أن جزءاً مهماً من المعلومات التي توفرها تلك الكاميرات ذا طابع اقتصادي واجتماعي، ويبنى عليها قرارات كثيرة.
طبعاً أنا لا أدعو لتركيب خمسة ملايين كاميرا كما قد يفسر البعض روايتي للمعلومة السابقة..
فقط أردت القول: هناك حاجة ماسة لنظام أو مركز معلوماتي واسع هدفه مراقبة النشاط الاقتصادي، بحيث يتاح للدولة تقييم هذا النشاط، والتدخل عند الحاجة لتصويبه وتعديل مساره بما يخدم المصلحة الوطنية.
عندئذ سيكون باستطاعة المؤسسات الحكومية المعنية بالنشاط الاقتصادي تقييم تأثيرات القرارات والإجراءات الاقتصادية المتخذة من دون الاضطرار لانتظار وقت طويل، ووقف المخالفات والاستغلال المقصود قبل أن يتورم، ويتحول إلى مرض مزمن تصعب معالجته..

تشرين

التاريخ - 2019-12-02 11:52 PM المشاهدات 68