شبكة سورية الحدث


بانوراما حضارة الظلال بقلم الشاعر منهل مالك

بانوراما حضارة الظلال بقلم الشاعر منهل مالك

بانوراما حضارة الظلال

  وسادتي محشوةٌ
  بريشِ غربان
  والليل ..حمأُ الأشباح
  ينفخُ فيهِ عصّفُ الرياح
  فكيفَ أنام..
  وسعادينُ الظلال..شياطين..شياطين
  تتقافزُ على تلافيفِ الدماغ
  تتأرّجَحُ على نياطِ قلبي 
  على هُدبي..
  يتلاشى المكان
  يتوقفُ الزمان
  عقاربُ ساعتي تلّدَغُ بعضها
  .. فَتُشّلْ  ..  وأُشّلْ
  أنظُرُ فيها
  أهزُّها
  أضعها على أذني
  علّي أسمعُ نبضها
  هي وهِّنة ..حزينة
  كالهزيّمة..كعحينِ العزيمة
  ..كنبضي
  وعقربُ الآمال يستّجدي
  أحصنةً تَعِبة
  تجرُّ عربة
  عجلاُتها مربعة
  يموتُ الزمان..
  حينما تموتُ الحركة..
  الخوفُ والضياع.. ضباع
  نواجذٌ  و  أنياب
  تنهَشُنّي .. تمضغُنّي
  ترميني لُقيّمةً
  في دربِ الأمعاء
  مساربٌ مظلِّمَة
  متاهاتٌ لَزِّجة
  لا فرقَ فيها
  بين اليمين و الشمال
  بين سكان الأرض وسكان السماء
  لافرق بين الغرب والشرق .. لا فرق
  والغابُ هو الغاب
  أبحَثُ في مكتبةِ الذكريات
  عن ظلِّ أنثى
  تُؤنِّسُ هواجسي ..
  بؤسي ..يأسي .. أرقي .. قلقي .
  أجامعُ نفسي..
  أسّقي شبقي من سراب
  أنا زوجي..أنا ولدي ..أنا أبي
  فأنثى المرآة من ضلع ظلّي
  احّتِلامُ الخيال..يُنّجِبُ ظلال
  ظلالٌ تجامعُ ظلال
  ظلالٌ تُنّجِبُ ظلال
  ظلالٌ تقتلُ ظلال
  ظلالٌ متشابهة ،متوائمة
  كالصورةِ في مرآةٍ مُتكسّرة
  لا لون لها .. لا صوت.. لا أنف ..
  لا عين، لا شعر ،لا وزن ... لا صفات
  لافرق بين ظلِّ يمامة وظلِّ الغراب
  والغابُ هو الغاب
  ظلالٌ تتعقبُني
  تتكالَبُني
  تلوطُ بي كالحراب
  ظلّي يطعنُ ظلّي
  ظلّي يقتلُ ظلّي
  ظلّي يلتَهِمُ .. كلّي..
  يداي مُضَمّخَةٌ بالدماء
  أحاولُ أنْ أواري سوءتي
  فيَنّعَقُ .. ظلُّ أبي
  يواري في التراب
  ما اقّتَرَفَتْ يداه
  صوتُهُ .. عواء
  و الصدى .. أنا
  قابيلُ أبي .. ؟!
  " من شابه أباه ما ظلم"
  لا . . أنا لستُ أبي
  وحوشٌ مُنتَصِبة تهزأ بي
  كثيفةُ الشعر .. بارزةُ الأنياب
   عيونُها حمراء تومضُ في الظلام
  أأنسٌ أم جان
  أإنسانٌ يرتدي حيوان
  تشمشمني كأنها تعرفني 
  كأنها تقولُ ياولدي .. 
  لا يُخطئُ الذباب دربَ الجراح
  لا تُخطِئُ الطيور طريقَ الإياب
  وأنا في العماء 
  أفتشُ عن نسبي ..من أبي
  تحَضّرنا..والغاب هو الغاب
  تحضّرنا وتعرّتِ القرود
  في قرننا العشرين
  صارَ الحجرُ بارود
  والمخلّبُ سكين
  تطورَ كثيفُ الشعر
  بضغطةِ زر يقتلُ الملايين
  لن تجوعَ الديدان في هذا الزمان
  وأنا أموتُ من سغبي
  من أبي .. قابيلُ أبي
  قابيل ليسَ أبي وأنا لستُ أبي
  وينّدهُ الصوت من صليب صُّلبي
  هابيل  ياااا  أبي
  وتصرخُ الدماء في التراب .. ياولدي
  أهذا المقتولُ.. الملحود أبي
  أهذا الحمأُ المجبول
  بالخوف بالعذاب
  تحتَ أقدامِ خزّافِ الوجود .. أقاربي
  أهذهِ الوحولُ نسبي
  ربما .. لأننا نخاف 
  تشتمُّ  الذئابُ في العيون
  رائحةَ الخراف
  هابيلُ يا أبي ..
  ونبكي الضحية
  نطأطئُ الرؤوس صاغرين
  نمدُّ الرقاب كأعناق الزراف
  كي لا نُغضِبَ السيّاف
  هابيلُ أبي ..؟!
  هابيل..شريكٌ بالجريمة
  أنا لا أُبّرِئُ المدينة
  هي ارتضت أن تكون
  لنارِ نيرون .. حطباً ووقود
  هابيلُ أبي .. ؟!
  كيفَ يُنجبُ مقتول
  يالَكذبي ..
  أنا إبنُ اللعنّةِ .. أوديب
  أنا قاتلُ أبي
  وينعقُ ظلّي كالغراب
  يعيدُ تمثيلَ الجريمة

  لا أنااا ...  لستُ أبي

  يا خزّاف الوجود ..من أبي
  أأنا لقيطٌ جاءَ من العدّم
  كبذرةٍ سقطت صدفة..من مؤخرِّة
  لطائرٍ مرَّ صدفة
  في وادي الضباب 
  فاحتضنها رَحِّمُ الغياب
  وصارت شجرة
  زقوم شجرةُ عائلتي زقوم
  فأيُّ معنى 
  والمولود .. بذرة
  مجردُ .. بذرة
  ألقاها مزارعٌ أعمى
  في الليلِ الأعمى
  كرميتِ نرّد
  على متنِ فلك
  هبّتْ عليهِ ريحٌ عاتيّة
  من جهاتٍ أربعة
  في إحدى الجهاتِ الأربعة
  قد تكون أو لا تكون
  وقد تغرق دون الوصول
  ما أنا سوى محصِلة
  نتاجُ جمعٍ وطرحٍ وضربٍ وقسمة
  وفي كلا الحالتين نهاية
  فما هي الحكمة
  معنى الحياة موت ؟!
  معنى الموت حياة ؟!
  كيفَ للا معنى أن يصيرَ معنى
  ولِمَ كانت وكنّا
  ايُّ معنى..
  وأنا لَمْ يختر أنا
  نطفة اختارتها الصدفة
  من بينِ ملايين النطاف
  جاءت من نطفة
  من بينِ ملايين النطاف
  جاءت من نطفة
  فأيُّ معنى..
  وكلُّ من عليها يفنى
  يا خزّافَ الوجود
  أيُّ معنى للوجود
  وإلى أين المسير
  أيلولُكَ يحيك الأفول
  على نولِ الفصول
  وتُقّرَعُ الطبول .. وتُقّرعُ الطبول
  فارغةٌ سنابلُ الحقول
  ومؤونةُ الشتاء بيادرُ أشلاء
  هذا زمن الأنياب
  انطفأت أعوادُ الثقاب
  ليلى الجميلة أكلتها الذئاب
  وشرشبيلُ الحكاية مايزال
  يطهو الأقزام وجبةَ حساء
  نفرح .. هُراء
  نحصد .. هواء
  نجنّي .. هباء...  ولا أمل
  لكلِّ كتابٍ أجل
  لكننا على عجل
  لاوقتَ لدينا
  للحب.. للشِعر..للرب..للغناء
  نَعدو كالضواري في الصحاري
  لنقتاتَ فتات
  نَعدو كقلمِ رصاصٍ في مبراة
  نعدو كشجرِ النار
  في هشيمِ الحياة
  نعدو والدنيا جيفة
  أمواتٌ تتكالبُ على رفاة
  نعدو والرياح نواح
  بلهاءُ في عزاء
  تُتضحكُ جمرَ الأديم
  سندريلا الأحلام
  لَمْ يَعّد يُناسبُها الحذاء
  تورّمت قدماها
  وهي تعدو حافية
  وراء الخبز الحافي
  لا صوتَ يعلو
  فوقَ صوتِ الأمعاء
  وقرّعِ الملاعق في صحونِ الطعام
  لا صوتَ يعلو
  لا أملَ بالنجاة
  كيفَ يَنّتَصِرُ الغناء أمامَ السغب
  والكنارُ بحجمِ لقمة
  نَتغنّى بالحضارة !
  لَمْ تَعُّدْ الحجارة
  تُرضي ساديتنا يا أبانا
  نتغنّى بالحضارة  !
  ووحوشٌ تنّفثُ النارَ
  تدفعُ بكرتنا الزرقاء
   نحو الفناء
  إلى أينَ المسير
  وشرّعُ الظلال شريعةُ الغاب
  والغابُ يباسُ أُناس ..يُزّكي اللهب
  ينفثُ دخاناً..يرسمُ ظلال
  تتصاعد نحو السماء
  تصلي صلاة استسقاء
  تُناشِّدُ السحاب .. ولا جواب
  كلُّ الأصوات أضاعت هويّتها
  في صخبِ الزحام ..ولا جواب
  كلُّ الألوان ترتدي النقاب.. ولا جواب
  هل أنا طيفُ شبح يتوهّمُ الوجود 
  أم أنا المجبول من حمأٍ مسنون
  تُراني من أكون ..
 
  يا خزّاف الوجود
  ابتلعَ الليلُ ظلّي
  والنهارُ كلّي
  وما زلتُ أنتظر
  أن تجمعَ شملي
  أو لعلي..
  حينَ يُلحدان معاً
  أجِّدُ جواباً لسؤلي
      من أبي
  هابيلُ أبي ..؟
  قابيلُ أبي .. ؟
  أأبي العماء
  أأنا حفيدُ الاصطفاء
  تائهٌ أفتِّشُ عن نسبي
  والنارُ تأكلُ حطبي
  

                    منهل

التاريخ - 2020-02-09 7:18 PM المشاهدات 189

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا