شبكة سورية الحدث


الحباب

الحباب



قال لي صديقٌ ذات يوم ، والذي أتحفّظ الآن على ذكر اسمه ، بصوت اختلط فيه البكاء بالحزن ، وبنظراتٍ غاضبة بعض الشيء ، والرافضة أحياناً ، والراضخة لقضاء الله وقدره أحياناً أخرى
_ : أنا معد بدي كون حباب بدي كون أزعر سرسري بدي كون نسونجي والله أنا نسونجي يا موفق والله ماني حباب ، حباب بدي حل .

والحباب هو الشخص اللطيف حسن السمعة ، والأخلاق ، والتربية ، ممدوح السيرة ، ومحلوفٌ برأسه وحده من بين أولاد الديْرة ، من قبل الشيوخ والنساء والأطفال والأصدقاء حتى من الأعداء هذا وإن وجد ، فالجميعُ يحبه هنا ، الجميعُ يأمنُ جانبه ، الجميع يرى فيه مثالا للولد الصالح ، والرجل الفالح . ولكن صديقي بدأ يحسّ بشيء من العار يجتاح مخيّلته ، أو أنّه بالغَ بلطفه ، حتى أنني قلت له يوما : تضرب ما ألطفك ، نعم تحوّلت هذه الميزة لديه والتي يسعى لها الكثير لنقمة بدلا من أن تكون نعمة ومدعاة للفخر

وما أجّج فيه هذه المشاعر الرافضة لما آل إليه من وداعة ، وأدب ، وأخلاق على حدّ قوله هو ما قالته صديقة والدته لوالدته في إحدى الأيام : ما شاء الله ع هل التربية كانت هذه الكلمات التي باحت بها هذه الصديقة للوالدة بالرغم من حسنها وصدقها كالرماح والسيوف وجّهت نحوه
واخترقته فسقط أرضاً

كان يتمنى أن يطلب رقم فتاة فتصدّه ، أن يكلّم فتاة فترده مصفوع الخد ، أن يرسل طلب صداقة لإحداهنّ فترفضه أو تتركه معلّقا ، كانت بمجرّد ما أن ترى اسمه وإن لم تكن تعرفه شخصيا تقبله هذا لأنها سمعت عنه وعن أخلاقه الكثير ، كلّ الفتيات تسلّم عليه ، وأحسنهنّ نسباً ، وأحلاهنّ صورة ، و لا توجد امرأة لا تملك فتاةً إلا وقالت له : لو كان عندي بنت ما بعطيا غير إلك ، حتى من كان لديها بنات كانت تقول له ، : لو ما زوجت كل بناتي لزوجتك وحدة منن ، وهو يتقطّع ويسحقُ ويتلاشى كنثر غبارٍ في يوم عاصف .

كان يريد أن يخوض تجربتهُ كباقي الشبانْ ، أن يأتي في يوم من الأيام مشقوق اللباس لشجارٍ حدث منذ قليل كان هو فيه بطل المعركة وكان يتوق شوقاً لتلك اللحظات التي يصرخ فيها بوجه المشاهدين : لما إلو شغل يهوينا ، آهٍ من تلك الكلمات الرنانة ، آه من هذا الجرس أحنّ له ، آهٍ من خمشة رجلٍ تزدان بها عنقي ، أو لكمةِ همجيّ في الوجه ، ما أحلاها لو كانت عوضاً عن أحمر شفاه صديقات أمي وهن يقبلنني ، لأنني حبوبٌ ومأدب .

وما زاد الطينَ بلّة ، والرجل علّة ، أنه وكحال كل الشبان ، وقع في الغرام ، وهنا مربط الفرسِ ، ومسك الختام ،
حيث كانت الفتاة ابنة لإحدى زبونات المحل الذي يعمل فيه ، تأتي مع أمّها لتتبضّع وتذهب ، لكن القلب ألم به الوجد ، والعشقُ العذريّ أليم ، فكان من رواده بل من المؤسسين له مع باقي الشعراء المجانين بالرغم من أنه لم يكن شاعراً ، إلا أنه شاطرهم الحزن والأسى ، والبعد والجفا ، والسهر الطويلْ ، لم يكن يملكُ الجرأة لا الكافية ، ولا القليلة للبوح عن مكنوز قلبه ، كان فقط يسلّم عليها ، وتسلّم عليه لا لأن علاقة عاطفية تربطها به بل لأنها زبونة ، ولأن التربية التي نشأ عليها ، تحظر عليه هكذا نوع من العلاقات ، فتزوّجت الفتاة من رجل غيره ، وأصبحت تأتي إليه الآن مع زوجها بدل أمها أي أن الوجع وجعين ، وكل الأغاني لعيونك وعيونو منعادة مرتين ، وبالتالي لم يدخل في علاقة عاطفية إلا وكان بطلها الوحيد والرابح كان ملك العلاقات من فئة الطرف الواحد .

صحيحٌ أنّ السمعة الحسنة مطلوبة ، وأن الأخلاق هي وتد الحياة التي يجب أن نتمسّك به بكل ما أوتينا من قوّة ، ولعلي أكون قد بالغتُ بعض الشيء بسرد القصّة ، إلا أنه وبالرغم من هذا ، يجبُ على الأسرة التي أدركت أهمية التربية والأخلاق ، ألا تنسى أهمية الذات البشرية التي تسعى دوما نحو التطوّر وأن تكون الأخلاق هي المسار الذي يقوّم هذه الخطوات ، لا قالبا يحد من مسيرتها ويؤطّرها بمفردات موروثة لم تعد تصلح لمتغيرات العصر ، كي لا تجرف هذه المتغيرات بالأخلاق وصاحبها نحو ما هو أخطر من كل هذا ألا وهو الكبت بكل معاييره ولا يسعني القول كي أكون منصفا إلا قول الشاعر :
إنما الأمم الأخلاقُ ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا .

موفق قره حسن

التاريخ - 2020-08-12 3:54 PM المشاهدات 476

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا