شبكة سورية الحدث


كيف يمكن الخروج من حالة التردي الاقتصادي

كيف يمكن الخروج من حالة التردي الاقتصادي

  
سورية الحدث الإخبارية - السويداء- معين حمد العماطوري  
في لقاء خاص لسورية الحدث الإخبارية عرض الأستاذ الأكاديمي الدكتور تيسير المصري أستاذ المحاسبة في جامعة دمشق رأياً اقتصادياً حول طرح العملة الخمسة آلاف ليرة سورية ومدى تأثيرها على الاقتصاد السوري حيث بين الدكتور تيسير المصري بالقول: 
تعاني سوريا منذ بدء الحرب الظالمة عليها، من تراجع كبير في مستويات المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية للدخول، ومن دمار كبير حل بمنشآتنا الاقتصادية. فمنها ما تم نقلها خارج البلاد أو تم نهبها، ومنها من تعذّر عليها توفير المواد الأولية لإنتاجها أو تأمين قطع الغيار لموجوداتها، أو تعذر عليها تحويل الأموال لاستيراد احتياجاتها او تأمين القطع الاجنبي لتمويل مستورداتها... ومنها من وقع في عجز مالي نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو بسبب فقدان أسواق تصريف منتجاتها، أو نتيجةً للارتفاع الجنوني للأسعار ... زد على ذلك فقدان اليد العاملة الماهرة. 
  وإذا أضفنا الى ذلك خسارة اقتصاد البلاد لأهم مصادر الموارد الطبيعية ومصادر الطاقة، وازدياد تكاليف محاربة الارهاب، فإننا سنجد أن علاقاتنا الاقتصادية مع الخارج أصبحت خاسرة، وأن عجزا كبيرا أصاب الميزان التجاري، وهبوطا حادا غير مسبوق في العملة الوطنية مقابل العملات الاجنبية. فالدولار الأمريكي قفز في تداولات السوق غير النظامية من حوالي 50 ل.س. للدولار قبل الحرب إلى ما يقارب2800 ليرة. وهذا بدوره انعكس ارتفاعا في الأسعار، زاد عشرات الأضعاف عما كان عليه قبل الحرب.
طبيعي في مثل هذه الظروف ـ خصوصا مع عدم وجود "سياسات استراتيجية متكاملة": اقتصادية ومالية ونقدية، واللجوء إلى التمويل بالعجز، وطباعة الأوراق النقدية دون ان يقابلها زيادة في الانتاج او ازدياد في الاحتياطي النقدي ـ  أن تفقد الليرة السورية قوتها الشرائية. 
إن طرح فئة الـ 5000 للتداول، ليس سوى أحد مظاهر فقدان القوة الشرائية لليرة السورية. طرح هذه الفئة في سوق العملات، ككتلة نقدية جديدة تضاف الى الكتلة المتداولة، دون أن يقابلها زيادة في انتاج السلع والخدمات، يمكن أن  يفاقم حالة التضخم الذي يرتد سلبا على المستوى المعيشي للسكان. أما اذا استبدلت بعملات موجودة في التداول فقد لا يكون لها مثل هذا التأثير. وهذا الأمر متوقف على قرارات السلطات النقدية المعنية.
إن طرح فئات عملات بقيم مالية كبيرة له، أيضا، آثاره السلبية في نفوس السكان، وفي مناخ الاستثمار السائد. فهي توحي بأن القدرات الشرائية للدخول ستضعف وان تلبية الاحتياجات المادية والمعنوية للأفراد والمجتمع، ستتناقص. وتوحي للمستثمر المحلي والأجنبي بعدم استقرار اقتصاد البلاد وباحتمال حدوث تغيرات حادة في الأسعار وكلف الانتاج وبازدياد صعوبات تسويق المنتجات والخدمات... وهذا يمكن أن يدفع الى هروب الاستثمارات خارج البلاد، وفشل مشاريع قائمة ... وبالتالي يحدث تراجعٌ اقتصادي إضافي. 
إن تحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي في الظروف السائدة، ووقف الهبوط الكبير في القوة الشرائية للعملة الوطنية، يمكن أن يتحقق في حال اعتماد استراتيجية وطنية تحمي موارد البلاد، خاصة مواردها المادية والبشرية والعلمية، وتستغلها افضل استغلال، وتدعم الهوية الوطنية للبلاد: الثقافية، الاجتماعية والاقتصادية... أهم ما يجب ان تأخذ به هذه الاستراتيجية ورد في مخرجات مؤتمر كلية العلوم الإدارية الأول، في جامعة الشام الخاصة، نلخصها في النقاط التالية: 
1) تبني فكرة أن التحسين لن يتحقق إلا بالتحول الجذري والحازم في إدارة موارد البلاد ومنظمات أعمالها، خارج إطار الآليات المعمول بها حاليا (وليس بالانتقال التدريجي).
2) وضع حلول "استراتيجية" "متكاملة" و "شاملة" لمشكلات البلاد الاقتصادية والاجتماعية، والابتعاد عن الحلول الجزئية و "الانفرادية" والارتجالية.  
3) استثمار كافة الكفاءات العلمية والعملية، الحقيقية، أفضل استثمار، وزجّها بشكل فاعل في عملية التحسين والتطوير، وعدم اتخاذ القرارات ورسم السياسات بعيدا عنها. 
4) اعتماد مبادئ الادارة العلمية في إدارة المؤسسات والهيئات المشرفة وإدارة عمليات انتاج السلع والخدمات. وتسليم كل فرد مختص العمل المناسب لتخصصه. وانتقاء أفضل الكفاءات ... 
5) اعطاء اهمية كبرى لدور المعلومات الموضوعية، الموثوقة والملائمة، في دعم القرار، في كافة المستويات وفي كافة القطاعات والهيئات والمنظمات، واعتبار المعلومة الموثوقة من أهم الموارد الواجب توافرها لتحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي. 
6) اعطاء اولوية كبرى للبحث العلمي تضاهي أولوية الدّفاع عن الوطن. وتقييم واقع البحث العلمي في الجامعات مراكز الأبحاث، ودعم غير محدود للأبحاث العلمية التي تسهم في حل مشكلات المجتمع، ومشكلات منظمات المال والأعمال.
7) المحافظة على الكوادر العلمية وإعطائها دورا فعالاً في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية؛ وعدم حصر الحلول تلك بيد السلطات التنفيذية، بعيدا عن المشاركة الحقيقية (وليس الاسمية) للمؤسسات الاكاديمية.  
8) اعتماد المعايير الدولية لمواصفات الجودة، خصوصا جودة الأداء الإداري، ونشر ثقافة الجودة الشاملة في كافة الهيئات ومنظمات المال والأعمال. 
9) التعامل مع كل قضايا المجتمع، الاقتصادية والاجتماعية، بشفافية وضوح وعلانية لضمان مشاركة أوسع وأفضل في حلها، من قبل ذوي الاهتمام والعلاقة والاختصاص، ولقطع دابر الفساد بأنواعه.  
10) الحد من مظاهر وحالات الفساد الإداري، وقطع دابر الفساد المالي في مؤسسات القطاع العام والخاص، الخدمية والانتاجية. وايجاد آلية فعالة لكشف الفاسدين ومحاسبتهم. 
11) إحداث هيئة عليا للرقابة ذات سلطات واسعة وغير محدودة، لرقابة اداء السلطات التنفيذية على اختلاف انواعها ومهامها، تتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية وسلطة مجلس الشعب 
12) تعزيز قدرات السلطات القضائية في التحقيق وكشف ومحاسبة كل من يضر بمصالح المجتمع سواء كانوا أفراد بصفاتهم الشخصية ام الوظيفية، ام كانوا مؤسسات وأجهزة مختصة.  
13) منح سلطات واسعة وحازمة لأجهزة الرقابة والهيئات الرقابية، وتعزيز رقابة المجتمع ومنظماته المدنية (جمعيات، صحافة، الخ).
14) دعم مشروع الاصلاح الاداري وتوسيعه ليشمل كافة المنظمات والهيئات المختصة بالشؤون الاقتصادية للبلاد وبالشأن العام وعدم حصره بالجهات الحكومية. واعادة النظر في الآليات والأولويات الموضوعة لبلوغ اهداف مشروع الاصلاح. 
إن البحث عن حلول فاعلة لمشكلات البلاد الاقتصادية والاجتماعية، وفق الاليات المعتمدة سابقا، والتي لم نستطع حتى الخروج منها، لن تجدي نفعا، وستبقى موارد البلاد عرضة للضياع والفقدان، في وقت تحتاج فيه المحافظة على تلك الموارد وحمايتها وتنميتها. هنا تأتي أهمية بناء استراتيجية وطنية: اقتصادية واجتماعية، واعتماد حلول جذرية في منظورها بعيد الأمد وليس الآني.  
كلنا أمل في أن نخرج من حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي الحاصلة والتي تنذر بالأسوأ، إلى حالة الانتعاش والتحسن المستمر. لكن هذا لن يتحقق اذا لم يكن لدينا صدق النية وقوة الارادة مع الشدة والعزم والحسم.، وإذا لم يتوافر بعد الرؤية وشموليتها، وعقلانية العمل، وإذا لم نقدم الـ "نحن" عن الـ "أنا".

التاريخ - 2021-01-31 6:56 PM المشاهدات 901

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا