شبكة سورية الحدث


عضٌّ على الأصابع

عضٌّ على الأصابع

 
تتحوّل الحرب إلى وثيقة فخرٍ للإنسان.. توّثق مدى تحملّه لويلاتِ الحرب وكيف بقى على قيدِ الحياة بالرّغم من كلّ زخّاتِ الرصاص وقذائفِ المدافع التي تحيط به، ليلوّحَ المواطن السوريّ مودعاً الأرض والأمل.. ظنّاً منه أنّه لن يشقى بعد ذلك.. وسيحيا بسلامٍ على غير بقاع وطنه الأمّ، لينسى السوريّ أخذَ أهمِّ شيءٍ معه، أخذ الرّوح والفؤاد المتمسكين بسورية...
ليسَ من المهم للسوريّ أن يخسرَ يداً أو قدماً أو حتى أن يخسر النظر فالأعمى هو المنطفئ قلبه لا عيناه... السوريّ يموت حبّه للحياة عندما يخسر ولداً أو حبيباً... أو بأن يهاجر من أرضه.
.....
في قصتنا هذه ليس هناك بطلة.. بل محاربة..
"شغف" الفتاة التي آثرت أن تبكي كتابة لأن دموعَ الكونِ بإسره لن ينصفوا قصتها،فتاة مكلّلة بالإرادة متشبثةٌ بالحياة بالرّغم من أصوات أوجاعها وكأن المرهم يخرسُ صوت الألم المحاح، تعيش شغف بين عائلةٍ تقليدية عانت الحرب بأغلب ويلاته...
ولأن في الحرب تعكس جُلّ القوانين حيث يقوم الآباء بدفنِ أبنائهم، لتكتب شغف في أوّل صفحاتِ كتابها...
أبي لم يكن حنوناً أو بالأحرى لم يكن يملك الوقت لذلك أغلب أوقاته يكون قلقاً، عند خروجه للعمل نضع أيدينا على قلوبنا ونعضّ أصابعنا خوفاً وندعوا ﷲ أن يعود أبي بسلام.. هذا كان شيء روتيني جداً في بيتنا... 
كنت قد عدت من المدرسة.. دلفتُ إلى المنزل بهلع لأرى أمّي تبكي بحرقة... 
عند وفاتك يا أبي خسرت أجزّاءً من روحي وبدأت أفتر شيئاً فشيئاً وانطفأت عزيمتي ....للأسف لم نستطع التعرف على الجثث بسبب تشويهها الشديد من القذائف.. آسفة يا أبي أشعر بالخجلِ منك فلم أستطع أن أودعك لآخرِ مرّة..
....
بعد وفاة والد شغف كانت بحاجةٍ إلى كتفٍ تستند عليه، كتف لا يميل تتشبث به.. قُدّر لها الالتقاء بشاهين ليكتب لهما القدر حياةً جديدة بعد كلّ ما هدم، فيكون شاهين العوض عن كلّ ما مرت به شغف، وتمنحه وسام الأبدية في قلبها وكأنّه وهبها الحياة من جديد،  ليقررا أن يواجها الحرب بكلّ خسائره ويخوضا الحرب طلقةً بطلقة... فالحرب تجعلنا ندرك مالا ندركه فالموت لايصبح مرعباً إلّا عندما يهددنا بأحبتنا..
كان شاهين وحيداً لأهله لذلك لم يتطوع في الجيش... 
تقدم شاهين لخطوبة شغف وبعدها بعدّة أسابيع دار بينهما الخلاف الأوّل عندما قرر شاهين اللجوء إلى دولةٍ أجنبية عبر زورق لأن الوضع الماديّ لايسمح له بالسفر بطائرة...
...
_ اسمعي يا شغف سأبقى على قيد الحياة كفاكِ تشاؤماً وصراخاً تسلّحي بعقلكِ وفكري قليلاً هذا أملنا الوحيد.

_ تريد منّي أن أهدأ؟؟ كلامك يجعل الفصيح أخرساً... خبركَ يشقُّ الرّوح، لا أريد أن أخسرك كما خسرت أبي فأنتَ الحبيبُ وضِلعي الثّابت.. أنسيت؟

_وكيف لي أن أنسى وأنتِ في كلّ التفاصيل حولي.. فالألم يمرّ يا شغف وتبقين أنتِ فقط اصبري فالحبُّ يفوز دوماً... سأسافر وبعدها بفترة تلحقين بي بطائرة.. سأرسل لكِ المال.. خذي هذه الورقة كتبت لكِ قصيدةً أعلم بأنّكِ تحبين قصائدي ليست بالشيء الثمين... 

_قيمتها في قلوبنا وليس في جيوبنا يا شاهين... أحبّك على قدرِ ما أخاف عليك. 
..... 
بدأت شغف بالبكاء وشدَّ شاهين على كتفها وضمّها إلى صدره، و لأنَّ من عادات الحرب أن تَقتل الحُبّ....للأسف قُتِل ما كانت تحتويه الضمّة الأخيرة من مشاعر، وقتلت شاهين معها.... 
في زورق صغير ...قتل الكثير من ارتحل بحثاً عن رغيف اليوم، هذه هي الحرب.. ربطة بنادق وحزمة جثث ...تقطع الأنفاس في الجسد،  فالوداع مرهقٌ للرّوح قبل الجسد... خسرت شغف حُبها وشغفها بالحياة ظنّاً منها أن جناح الرحمة قد أغلق لها وكأنّ انتصارها الوحيد في هذه الحياة هو الموت، فخسارتها لشاهين فتحت جرح الفقدِ في قلبها... 
في الحرب تموت الإنسانية ويموت الحُبّ وتموت الطفولة و لا يبقى سوى شيئين... وجع الذكرى... والقصيدة. 
تالة سيّدة

التاريخ - 2020-07-24 2:02 PM المشاهدات 228

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا