شبكة سورية الحدث


توقعات طيبة في العلاقة الصين وسورية

توقعات طيبة في العلاقة الصين وسورية

 

منذ أن انفجرت الأزمة السورية ربيع العام 2011 اكتفت بكّين بالتّواري وراء تقديم فعل الإسناد السياسي لدمشق الذي تمثّل في استخدامها، جنباً إلى جنب موسكو، لحق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن لستّ عشرة مرّة، ضدّ مسودّاتٍ لقراراتٍ كانت في جُلّها غربية لكنّها تُعد أحياناً بأذرع إقليمية، وهي في جُلّها أيضاً كانت تمثّل طبعاتٍ ملونة للقرار 1973 آذار / مارس للعام 2011 الخاص بليبيا الذي قاد لاستباحتها، ولاحقاً إلى تهشيم هياكل الدولة التي تشظّت بشكلٍ أصبح من الصعب فيه عودة ملامحها من جديد كمدخل لا غنى عنه لعودة الإستقرار.

ولكي نكون أكثر دقة تجدر الإشارة إلى أن فعل التواري سابق الذكر كان قد حصل منذ العام 2012 الذي شهد اليوم الأخير من حزيرانه صدور بيان جنيف 1 ذائع الصّيت، الذي أيّدته بكّين بعد أن أضاف إليه وزير خارجيتها

«يانغ جيتش» نقاطاً أربع كانت آنذاك أشبه بمبادرة صينية لحلّ الأزمة السورية، وهي تقوم في ركيزتها الأساس على تشكيل «هيئة حكم انتقالية» في غضون مدة لا تزيد عن ستة أشهر، قبيل أن تذهب في شهر تشرين الثاني من هذا العام الأخير إلى تطوير مبادرتها، داعيةً من خلال المبادرة «المطوّرة» إلى «وقف تدريجيّ للعنف» بما يضمن تهيئة المناخات لتنفيذ بيان جنيف 1، والتدريجيّ هنا يُفهَم على أنّه إشارةٌ صينية بالتخلي عن طلب «رحيلٍ سريع» للنظام في دمشق، أو استبداله في وقت قريب.

كان وراء فعل التواري آنف الذكر عوامل عدّة شديدة التعقيد، لكن الأبرز منها، مما يمكن حصره في هذا السياق، ثلاثة، أولها، هو نزعة الحذر الطاغية بوضوح على السياسة الصينية، التي انتهجت سير السلحفاة في مسارها نحو تثبيت عوامل قوّتها الداخلية قبيل أن تقرر التمدّد نحو الخارج، وفيه، أي في ذلك السير، كانت الخطوات الخارجية تمضي بحسابات لا يدركها الخطأ، فيما آليّاتها كانت من النّوع الطّارد، كما فعل الطّرد المركزي الذي يسببه الدوران، لأيّ فعلٍ تشوبه نفحة المغامرة، وما يعزّز من شدة هذه النزعة الأخيرة، لتلك السياسة، هو «الكوابح» التي فرضها الدستور الصيني من خلال رسمه للمهام الملقاة على عاتق الجيش التي وصفها بالدفاعية التي تمنع «إرساله لمهمات خارجية»، هذا الحذر الطاغي يمكن أن تبرره حكاية «سور الصّين العظيم» التي تغوص عميقاً في الذات الجماعيّة الصينية، وهي تدلّ على نزعة متأصّلة فيها توحي بالميل إلى العزلة تلافياً للأخطار المحدقة مما يمتلئ بها ما وراء السّور، وثانيها هو أن التدخل الروسي الحاصل في سوريا أواخر شهر أيلول/ سبتمبر 2015، كان قد حدث بفعل حالة تلاقٍ روسي – أميركي، وهي في عمقها لا تتيح مشاركة طرف ثالث تحت أي ذريعة، عسكرية كانت أم اقتصادية، مع لحظ أنّ الفعل كان قد حدث في أوج الصدام الصيني الأميركي الذي شكّلت الأرقام التي كان يسجلها الاقتصاد الصيني نذيراً به منذ مطلع هذه الألفية، والتي بدا أنّها من النوع المهدد لانفراد المركز الأميركي بالسيطرة العالمية، ولذا لم يكن ممكناً نزوع بكّين لحجز مقعد لها في أزمةٍ هي الأشد تعقيداً ممّا واجهه نظام القطبيّة الواحد الخارج إلى العلن منذ حرب الكويت 1991، على الرّغم من أن العديد من المنظرين والباحثين كان قد ارتأى فيها، أي في تلك الأزمة والتسوية التي يمكن أن تستولدها مدارات الصراع، سبيلاً لولادة نظام عالمي جديد، هنا كان العامل الداخلي طاغياً بدرجة تفوق مهام «حجز مقاعد» خارجية. أما ثالثها، فهو يقول أنّ التركيبة السورية تبدو غير مشجّعة، لحدوث نقلةٍ نوعيةٍ في الحسابات الصينية من النوع المحفّز للتدخل الذي سيكون، فيما لو حدث، ذا أثمان باهظة قياساً للعاملين سابقي الذكر، فالتمدد الإيديولوجي الصيني في النسيج المجتمعي السوري يكاد يكون بلا تأثير يُذكر، وغاية الأمر أن الفِرق الشيوعية السورية التي تبنت «الماوية» في نهجها ظلّت معزولة حتى في محيطها الشيوعي، بل حتى محاولة السلطة، المتمثّلة بإصدار المرسوم 10 الصادر في العام 1991، لاستسناخ النموذج الصيني القائم على سلطةٍ مركزية تقود نحو رأسمالية الدولة مع إفساح المجال لبناء اقتصاد ليبرالي إلى حد ما، تلك المحاولة ذهبت أدراج الرياح، هذا إن لم نقل أنّها تحوّلت إلى صورة كاريكاتورية مثيرة، و هي لم تخلّف وراءها أيّ أثرٍ يُذكر، بل على العكس لربما تركت انطباعاً منفراً من ذلك النموذج.

لم يكن تواري بكين إذاً ناجماً عن سوء فهم لما يجري في منطقة لا تزال الأشدّ حساسية في العالم لكونها كانت نقطة تلاقٍ حضاري ثري، بل ومطارح خصبة لتلاقح الحضارات، كثيراً ما استولد في مراحل سابقة قطباً منافساً للغرب في العالمية، وهي بلا شك لا تزال تحمل في رحمها جنين ذلك القطب، فيما محاولات الرحم لا تزال قائمةً للقذف بالجنين إلى النور كلما لاحت فرصة مناسبة لذلك، ولا أدلّ على هذا من رؤية الغرب المتبلورة منذ حملة نابليون على مصر 1798 – 1801، والتي أوصت بوجوب قيام عازلٍ جغرافي ما بين شعبي بلاد الرافدين والشام وبين شعب وادي النيل، حيث المهمة الأولى للعازل هنا تكمن في كبح جماح التلاقيات كعاملٍ ضامن، لا بديل عنه، لعدم تكرار تجارب النهوض التاريخي التي تكررت مرات بفعل السعي المتبادل بين تلك الشعوب منذ القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، أي منذ أن نجح الآكاديون في توحيد بلاد الهلال الخصيب تحت رايتهم.

إذاً ما الذي دفع بكين مؤخراً لرمي كل تلك المحاذير جانباً والسير نحو دمشق، مما تشي به زيارة وزير الخارجية الصيني «وانغ بي» الحاصلة يوم 17 تموز المنصرم لدمشق، والتي شكل توقيتها، وإن كانت مقررة، دلالةً هامّة تبرزها حالة الإصرار على حدوثها في لحظة سياسية فارقة من نوع أداء الرئيس الأسد للقسم إيذاناً بولاية رابعة، كان ذلك بالتأكيد مؤشراً معنوياً لربما أرادت بكين القول من خلاله أن شغفها بالتفاصيل لا يقل بالتأكيد عن شغف دمشق بها.

أولى المحفّزات هي أن الرئيس الأميركي جو بايدن ما انفك يعلن، ويراكم، نزعةً هجوميةً اتجاه الصين التي وضعها في سياساته الإستراتيجية كـ «خطر» أوّل لا يفوقه أي خطر آخر على «العالم الحر» وقيمه «الديمقراطية والإنسانية»، هنا يمكن القول أن بكين التي أيقنت أن واشنطن ماضية نحو تسخين كل الجبهات في مواجهتها، ذهبت نحو استخدام الأدوات نفسها، إذ لطالما تأكد أن المواجهة حاصلة لا محالة ، فلتكن على كل الجبهات إذاً، ومن الجائز لنا هنا تبني هذا التصور السابق الذي يعززه رؤية صينية مفادها أن السياسة الأميركية أثبتت، على مر مراحلها، أنها لا تتمتع بـ «الصبر» الكافي واللازم لجني ثمار ما حققته آلتها العسكرية العملاقة، ولربما كان ذلك يعود في أساسه لخلل تكويني في طبيعة النظام الأميركي التي تفرض عليه أداءً هشاً في مقاربته للأزمات، وقصر نفس يستعجل دائماً جني المحاصيل في غير أوانها. وثانيها، أي ثاني تلك المحفزات، هي الانسحاب الأميركي من أفغانستان الذي بدأ شهر أيار/ مايو الماضي، والذي من المقرر له أن ينتهي مطلع أيلول/ سبتمبر المقبل، وعبره وجدت بكين نفسها فيه أحد المستهدفين من ذلك الانسحاب، جنباً إلى جنب موسكو، عبر محاولات اللعب على المكوّن الإسلامي فيهما، وكذا جنباً إلى جنب طهران المستهدفة أيضاً عبر إفساح المجال لوصول طالبان، التي تتمتع ببنية مذهبية ذات طبيعة تناحرية مع تلك التي تتبناها طهران، إلى السلطة في كابل.

يطرح السياق السابق، أي الانسحاب الأميركي من أفغانستان، احتمالية باتت وازنة تتجلى بإمكان تمدد السيناريو إلى كل من العراق وسوريا، وهذا، لربما، وجدت فيه بكين إمكانية لحدوث تلاقيات، أبعد مدى من تلك الحاصلة الآن، بين دمشق وطهران وبغداد وبيروت، تؤسس لقيام محور اقتصادي يشكل ذراعاً إقليمية داعمة لمشروع «طريق الحرير»، ولربما كان جموح الخيال الصيني قد ذهب إلى إمكان انضمام أنقرة لهذا المحور، قياساً إلى الهشاشة التي أبداها الرئيس التركي، في غير موقع، تجاه ميوله الأطلسية التي باتت محل شكوك كبرى لدى الأميركيين والأوروبيين على حدٍ سواء.

في مطلق الأحوال فإن محطة تموز/ يوليو الصينية في دمشق كانت قد حملت معها نقلة نوعية هامة تتمثل في الإنتقال من دعم «هيئة حكم انتقالية» العام 2012، إلى دعوة المعارضة السورية للتخلي عن «وهم تغيبر النظام»، والمؤكد هو أن هذه النقلة هي الأهم مما جاء في المبادرة التي طرحها الوزير الصيني في تلك المحطة، وهي لا شك تمثل ورقة رابحة من العيار الثقيل بيد دمشق سوف تعزز من مواقعها تجاه حلفائها قبيل أن تفعل تجاه الخصوم، فاتساع مروحة الخيارات يعطي بالتأكيد هامش مناورة أكبر، بما لا يقاس، مما كان الأمر عليه قبيل منتصف تموز/ يوليو الماضي، وهو في الوقت نفسه يدفع نحو المزيد من التلاقيات على طريق دمشق – بكين.

لكن هامش المناورة المتسع آنف الذكر لا يخلو أيضا من «معوقات» تحول دون سرعة استعماله، فبكين التي أرادت إيصال رسالة مفادها صدور القرار بالخروج من دائرة الظّل، تدرك أنّ دون ذلك عقباتٍ ليس من السهل تذليلها، على رأسها أنّ دمشق يجب أن تختار ما بين دعمين، الأول روسي يذهب نحو محاولات إعادة سوريا إلى الجامعة العربية الذي يفترض سيلان رأس المال الخليجي لإعادة إعمار سوريا، وهذا، من وجهة نظر صينية ، ستكون له تداعياته الكبرى على النسيجين المجتمعي والثقافي السوريين، إذ لطالما كان للمال، كما السلاح، حمولاته الكبرى على المجتمعات التي يدخلها، ولا شك أن رأس المال الخليجي مرتبط، بشكل أو بآخر، بأجندة أميركية واضحة المعالم والأهداف، ثم أن بكين تتحسّب لشيءٍ آخر لايقل أهمية عن الشأن السابق، ومفاده أنّ على دمشق أن تتخلى أيضا عن دور «اقتصاد الظلّ» الذي عاشته دمشق سنيَّ الأزمة، وإذا ما كان ذلك مبرراً لظروف فرضتها الحرب الشرسة، فإنه لا يصبح كذلك الآن، خصوصاً أنّ أولويات المرحلة المقبلة يعلوها شعار إعادة الإعمار الذي له حمولاته هو الآخر على أكثر من صعيد.

من دون أدنى شك ستجد دمشق نفسها معنية بالتقاط «اللحظة» الصينية، أملاً في أن يمكّنها ذلك من استعادة الدور الذي سيمكّن هامش فرض نفسها من جديد لاعباً فاعلاً، لا منفعلاً فقط، في المنطقة، الأمر الذي لا يتيحه الدعم الروسي إلا بحدود ضعيفة لا تكفي لاستعادة دور الماضي الذي كان ولا شك إحدى مبررات الإستقرار الذي عاشته دمشق لمدةٍ تقارب العقود الأربعة، وبكين أيضاً ستجد نفسها معنية بالتقاط «اللحظة» السورية التي تشكل باباً واسعاً للولوج إلى منطقة لا تزال الأشد حساسية في العالم بالرغم من تراجع اعتماد الاقتصاد العالمي عموماً، والأميركي خصوصاً، على النفط المصدر منها، فالثابت هو أن هذي المنظقة لا تزال تلعب دور «بيضة القبان» في توازنات على امتداد القارتين الآسيوية والإفريقية.

دون الإمساكين إذاً، الصيني باللحظة السورية والسوري باللحظة الصينية، هناك الكثير مما يعوق، ويحفّز في آن، ما يجعل من تبلور الخيارات فعلاً بطيئاً، يزيد من ذلك أنّ دمشق ترى أن الكل يسارع باتجاهها الآن مما يشير إلى قرب مواسم الحصاد.

 الاخبار-عبد المنعم عيسى

التاريخ - 2021-08-15 8:36 AM المشاهدات 150

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا


كلمات مفتاحية: الصين سورية